هل وقف النبي محمد أمام رسام؟

Google+ Pinterest LinkedIn Tumblr +

كتب- محمد عبدالحميد

يعد رسم النبي محمد في العالم الإسلامي من المحرمات، إلا أن هذا لا يعني أنه لا يوجد رسومات للنبي محمد رسمها فنانون مسلمون.

متى حدث ذلك؟ وهل وقف النبي محمد أمام رسام من الأساس؟

رسم النبي محمد

يزعم بعض المؤرخين غير المسلمين (هل لدينا اسم أو أسماء؟) أن إمبراطور الصين أرسل وفدا للنبي محمد، كان يضم رساما، رسم صورة لنبي الإسلام ليتعرف عليه. وهناك كثير من الروايات في هذا السياق حتى أن الدكتور علي جمعة المفتي السابق لمصر، أشار إليها في تصريحات تلفزيونية.


تقول إحدى هذه الروايات إن ملك الصين الملك الأول من ملوك أسرة صي الملقب ون تي “Wen Ti” رأى في ليلة من الليالي نجماً زاهراً. فأمر رئيس الكهنة أن يتكهّن له، فوجد ذلك دليلاً على ظهور رجل عظيم الشأن في بلاد العرب.

فبعث الملك رسولاً لهذا الأمر، ووصل رسوله بعد سنة كاملة إلى النبي محمد. وطلب منه أن يسافر بنفسه إلى الصين، فاعتذر إليه، وبعث معه أربعة من صحابته؛ منهم خاله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، وكان ذلك في عام 587م.

وروي أن رسول الملك رسم صورة للنبي محمد سراً؛ لأن الرسول رفض طلبه.

ولما رأى الملك صورة النبي سُرّ بها كثيراً، وعلّقها على حائط ليسجد له، فمنعه سعد بن أبي وقاص، فسأله عن سبب المنع، فقال:

“إن رسول الله يمنعنا من عبادة الصور والتماثيل، وأنه لا عبادة إلا لله الواحد القهّار، فأعجب الملك بهذا المبدأ النزيه. وذلك وفق تقرير لدار  الفيصل السعودية للنشر، علما بأن كل الروايات الصينية تشير إلى أن الرسم تم سرا”.

يروي أبو زيد حسن في كتاب «أخبار الصين والهند» أن رجلا عربيا يدعى ابن الوهاب وصل إلى مدينة تشانغ آن عاصمة إمبراطورية أسرة تانغ (مدينة شي آن حاليا) في 257 هـ\ 870 م.

والتقى ابن الوهاب الإمبراطور الصيني لي تسوي (833- 873 م).

وخلال اللقاء أخرج الإمبراطور مجموعة من الصور وطلب من إبن الوهاب أن يتعرف على رسم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) فتعرف ابن الوهاب على صورة النبي موسى مستندا إلى عصاه، وتعرف على النبي عيسى يركب حمارا، ثم تعرف على النبي محمد يركب ناقته.

لكن عضو سابق بمجمع البحوث الإسلامية، علق على ذلك قائلا لـ”آفاقـ22″ إن هذه روايات لا أصل لها مضيفا: “لو كان إمبراطور الصين معجب بالنبي محمد، كان أسلم”.

صورة ترمز للنبي محمد يتلقى الوحي في جبل حراء.. كتاب "سيرة النبي"

صورة ترمز للنبي محمد يتلقى الوحي في جبل حراء.. كتاب “سيرة النبي”

وبحسب عدد من أساتذة الأثار والفنون الإسلامية، فإن رواية إمبراطور الصين “مجرد أساطير” فالثابت تاريخيا أنه لا يوجد صلة بين الصين والدولة الإسلامية في عصر الرسول.

وفق دار الفيصل فإن العام الذي وقع فيه هذا الحادث هو عام 587م، والنبي لَم يكن يُكلَّف بالرسالة بعد، ثم أن الثابت في المصادر العربية أن سعد بن أبي وقاص لم يذهب إلى الصين قطّ، وأنه مات بالعقيق على مسافة عشرة أميال من المدينة المنورة سنة 58هـ / 678 م

النبي في بعض الرسومات

تنتشر صور عديدة تبرز مشاهد من حياة النبي محمد، بعضها يضع مكان الوجه هالة من النور، والبعض الآخر يتضمن وجهاً ذا ملامح واضحة.

فمثلا يتضمن مخطوط قصة المعراج “معراج نامه” كان قد طلبها شاه رخ بن تيمور وانتهى مالك بخشي من نسخها سنة ٨٤٠ هـ (1437م).

المخطوطة هي باللغة الجغطائية وبخط أويغوري، ويتضمن كتابات بالعربية والفارسية.

والمخطوط فيه قسمان: الأول تصوير لقصة المعراج والثاني تذكرة الأولياء للشاعر فريد الدين العطار المتوفى ٦١٨ هـ.

والمخطوط كان قد ابتعاه المستشرق الفرنسي أنطوان غالان في الآستانة. الأويجوري الحروف والمنسوخ في هراة عام 1436 وهو محفوظ بدار الكتب القومية بباريس سبعا وخمسين منمنمة ملونة مرفق، على كل منها شرح باللغتين العربية والتركية العثمانية، وفق ما ذكر الدكتور ثروت عكاشة، أستاذ الفنون الإسلامية، في كتابه “موسوعة التصوير الإسلامي”.

وهذه المخطوطة تضم صفحات مضيئة من تراثنا الفني الإسلامي من نتاج زمن كانت الروحانية الإسلامية الصوفية والدينية تتدفقان في نفوس المسلمين وتُحيي فيها منابع الإبداع فإذا بهم يخلقون من الأعمال الفنية ما يفرض نفسه على الخلود ضمن التراث الإنساني وتتسابق إلى اقتنائه متاحف العالم.

وتعد صور هذه المخطوطة من أهم وأندر المنمنمات التي ترمز إلى الجنة والنار وموضوعات البعث والحساب كما تصورها الفكر الإسلامي متتبعا خطى الرسول بصحبة جبريل وهو يطوف خلال الجنة، ثم هو يشهد عذاب الهالكين في النار.

في الصورة التالية من “معراج نامه” مشهد من مشاهد النار وما فيها من معذبين وقد وقفت أمام تلك النار كبيرة الزبانية  في هيئة بشعة صورها الفنان بجسد أخضر اللون مخدد قدماها بمخالب، وترتدي تنورة بنية ممسكة بيدها اليمنى مقمعة حمراء وقد اندلعت ألسنة النار المتوهجة من فمها الأحمر وألبسها كذلك خلخالا في ساقيها وقلادة في عنقها وتبدو النار محتلة قسما كبيرا من الصورة إلى اليسار وفيها ست من النساء مُعلقات من ألسنتهن بخطاطيف والنار تنهش أطرافهن لما أوتين من سلاطة لسان على أزواجهنّ وخروجهن من بيوتهن بغير إذن أزواجهن.

* يشار إلى أن كبيرة الزبانية ، يقص دبها كبيرة ملائكة العذاب الغلاظ الشِّداد الموكَّلون بدفع أهل النار إليها.

وكتاب معراج نامه يصور رحلة النبي محمد للسماوات

كتاب معراج نامه يصور رحلة النبي محمد للسماوات

وكتاب معراج نامه يصور رحلة النبي محمد للسماوات، والصورة التي كانت موضوعة للنبي محمد ليس لها أي ملامح. غير هالة من النور مكان وجهه.

لوحة أخرى تضمنها “معراج نامه” فيها ملائكة ثلاثة بأرديتهم يتمنطقون بأحزمة ذات حلي ذهبية وتنبسط أجنحتهم من وراء مناكبهم في “تناسق رائع وتتابع متسق”، وفق ما جاء في موسوعة التصوير الإسلامي.

اختار الرسول قدح اللبن، ولم يشرب غيره

اختار الرسول قدح اللبن، ولم يشرب غيره

ويحمل هؤلاء الملائكة في أيديهم صواني ذهبية عليها أقداح ثلاثة من الخزف الأبيض ذي الزخارف الزرقاء، واحد من لبن والثاني من خمر، والثالث من عسل على نحو ما ذكرت قصة المعراج، فاختار الرسول قدح اللبن، ولم يشرب غيره، فهنأ جبريل الرسول على نحو ما تروي القصة بهذا وقال له: “على مثل هذا ستكون أمتك”.

الفكرة والبداية

يقول الدكتور زكي محمود حسن في كتابه “الصين وفنون الإسلام” إن “التفكير في تصوير النبي محمد ربما كان مصدره الصين، فكلنا نذكر ما يزعمونه من أن رسول ملك الصين قد رسم صورة الرسول سرا”.

لكن هناك رأي آخر يقول إن الخانات خلفاء جنكيز خان الذين اعتنقوا الإسلام في عهد غازان خان الذي حكم   1295 – 1304 مؤسسين دولة الإيلخانات في فاري (1256 – 1335). (دولة الاخانات غير مسلمين ومسلمين (مسلمين من 1295  لـ 1335)) قد شكلوا دولة سنية متشددة إلى حد ما، إلا أنهم أباحوا تصوير النبي محمد لأول مرة قاصدين من ذلك الإيحاء بانحدارهم من سلالة إسلامية.

وكان التصوير الإسلامي، في بدايته قاصراً على رسوم الطبيعة البحتة خاصة المدرسة العربية، وفق ما جاء في كتاب “التصوير الإسلامي في العصور الوسطى”، للدكتور الراحل حسن الباشا. بينما كان هناك تطور الرسم الإسلامي في الدولة الساسانية في إيران.

وقد أتاحت الموضوعات التاريخية للمصورين فرصة الابتكار والتنويع والمزج بين الواقع والخيال في أساليبهم وصولا إلى رسم النبي محمد كما جاء في كتاب “جامع التواريخ” الذي ألفه الوزير رشيد الدين، المولود في همذان سنة 1247م.

ويضم الكتاب جزءا من السيرة النبوية. وأشهر هذه المخطوطات المزوقة أجزاء باللغة العربية بعضها محفوظ في مكتبة جامعة أدنبره، ويرجع إلى سنة 707هـ(1306م) وبعضها الآخر محفوظ بالجمعية الملكية بلندن وقد تم نسخة في سنة 714ه (1314م). بالإضافة إلى ذلك يمتلك متحف طوبقا بوسراي في اسطنبول نسخة فارسية مزوقة من هذا الكتاب يرجع الجزء الأول منها إلى سنة 1318.

في المخطوطة التالية  صورة ترمز للنبي محمد أثناء التحكيم في قضية الحجر الاسود، كما جاءت في نسخة من كتاب “جامع التواريخ” ويرجع تاريخها إلى عام 1315 م، وموجودة في مكتبة جامعة أدنبرة.

وتبرز الصورة النزاع الذي نشأ بين مختلف العشائر في مكة المكرمة حول من له حق يضع الحجر الأسود. فحل النبي الخلاف بوضع الحجر على قطعة قماش بوجود ممثل لكل عشيرة، ورفعوا القماش معا، واضعين الحجر الأسود في مكانه.

صورة ترمز للنبي محمد أثناء التحكيم في قضية الحجر الاسود

صورة ترمز للنبي محمد أثناء التحكيم في قضية الحجر الاسود

وتحمل الصور السابقة للنبي محمد ملامح. وهو الأمر الذي نجده في صور كتاب رشيد الدين “جامع التواريخ”.

اقرأ أيضًا: الأصوات الشرقية في الأدب العبري .. بدأت بالاحتجاج وتنتظر تقدم “اليهود المغاربة”

 

صورة ترمز للنبي محمد وهو على ظهر (الخيل) يتقدم نحو قبيلة "بنو النضير"،

صورة ترمز للنبي محمد وهو على ظهر (الخيل) يتقدم نحو قبيلة “بنو النضير”

محمد وهو على ظهر (الخيل) يتقدم نحو قبيلة “بنو النضير”، التي غزاها النبي في السنة الرابعة من الهجرة. ويظهر استسلام القبيلة لنبي الله

وتصور الصورة التالية وفق كتاب “التصوير الإسلامي في العصور الوسطى” النبي محمد وهو يخطب خطبة الوداع. ويشاهد فيها النبي واقفا على المنبر يخطب، وقد جلس أمامه أربعة رجال وصبيان، ربما يمثل الرجال الخفاء الأربعة، والصبيان الحسن والحسين. ويحف بجميع الرؤوس هالات كما هي الحال في تصاوير المدرسة العربية، ومن الملاحظ أن الهالات من الخصائص الفنية في تصاوير هذا المخطوط.

المنبر والمشكاة لم يعرفا بشكلهما المرسوم في التصويرة إلا في عصور متأخرة عن عصر النبي

المنبر والمشكاة لم يعرفا بشكلهما المرسوم في التصويرة إلا في عصور متأخرة عن عصر النبي

وقد عبر المصور في هذه التصويرة عن المسجد بأن رسم منبرا وقف عليه النبي، ومشكاة تتدلى من أعلى، ومن المعروف أن المنبر والمشكاة لم يعرفا بشكلهما المرسوم في التصويرة إلا في عصور متأخرة عن عصر النبي.

محاكاة التصوير الإيطالي

كما ظهرت محاولات أخرى لمحاكاة الاتجاه الذي شاع في نماذج التصوير الإيطالي خلال عصر النهضة والذي كان يجعل الصورة وكأنها تعبير عن النص.

وذلك ما نجده في صور مخطوطة “سير النبي” الذي كُتب وصُور في عام 1595/1596م للسلطان العثماني مراد الثالث (سني)، والذي يضم ثلاثة عشر صورة وستمائة موزعة على خمسة من مجلداته الستة التي وصلت إلينا، وهو “مخطوط قيم جدير بالدراسة الطويلة العميقة”.

كتاب سيرة النبي

كتاب سيرة النبي

ونرى المصور المسلم في منمنمات هذه المخطوطة وغيرها – وفق الدكتور ثروت عكاشة – يملي عن البيئة التي عاش فيها ولا يكلف نفسه عناء الرجوع إلى المصادر التي فيها البيان الحق. فكتب الأثر مثلا عرضت لشمائل الرسول، وما كان يستخدم من لباس وأدوات وما كان من بيديه من أثاث، وما اتخذ من منابر يخطب في الناس عنها حيث عاش في الحجاز.

فمعروف أن النبي كان يتخذ من جذع شجرة منبراً، والمسجد كان يُفرش من حصير وسقف المسجد من سعف ولباس النبي كان بُردا ومِلحفة، وكان يضع على رأسه عمامة يسيرة من قماش.

وعلى حين كانت بيوت العرب لا تعدو خباء من صوف أو بجادا من وبر أو فسطاطا من شعر أو سُرادقا من قطن أو حظيرة من أغصان الشجر أو بينا من لبن أو حجر نرى في هذه المخطوطة وغيرها الثياب المطرزة والجبة والعمامة الفارسية ذات الشال الأبيض والقلنسوة.

يتجلى في صور التي ترمز للرسول حرص المصور على إشاعة السماحة النبوية النابضة بإشراق إلهي

يتجلى في صور التي ترمز للرسول حرص المصور على إشاعة السماحة النبوية النابضة بإشراق إلهي

ويبدو النبي في صور هذه المخطوطة وغيرها ذا شاربين بينما المعروف أنه كان يحفهما.

وعلى حين نرى بعض ملامحه تطابق ما جاء في كتب الأثر، نجد بعضها الآخر يخالف هذه الكتب، فلم يصوره عظيم المنكبين أو رحب القدمين والكفين أو واسع الجبين أو ضليه القم (واسع الشدقين)

لو أُبيح رسم النبي كما أُبيح القول

يقول الدكتور ثروت عكاشة، أستاذ الفنون الإسلامية في كتابه “موسوعة التصوير الإسلامي”: بصفة عامة يتجلى في صور التي ترمز للرسول حرص المصور على إشاعة السماحة النبوية النابضة بإشراق إلهي يحس معه المشاهد بورع يملأ عليه وجدانه.

موجز القول وفق صاحب “موسوعة التصوير الإسلامي” إن الفنان تأثر بمقومات الجمال التي كانت تسود عصره، والتي كان العرف يقضي بها. فلم تجيء صورة محمد الحقة الذي على أرض الحجاز نشأ، بل جعله “النمط المثالي” للرجل الفارسي.

ويؤكد أساتذة الآثار والفنون الإسلامية، وكذلك موقع “آفاقـ22” أن الصور ذات الملامح للنبي محمد غير حقيقية وأنها مجرد تخيل، والدليل على ذلك أنها مختلفة، مشيرا إلى أن رسومات النبي محمد ظهرت بعد وفاة الرسول بعدة قرون.

اقرأ أيضًا: 
“مريم لم تلد إلها ولن اسجد لطفل”.. “نسطور” البطريرك المضطهد بسبب طبيعة المسيح
اتهموا بقدح أبي بكر وعمر.. قراء مصريون رفعوا الأذان الشيعي من إيران والعراق
“بورتريهات الفيوم”.. الطريق إلى الرب والحياة الأبدية

مشاركة

Leave A Reply